صديق الحسيني القنوجي البخاري
490
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ من النعمة والعافية حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ من طاعة اللّه والحالة الجميلة بالحالة القبيحة ؛ والمعنى أنه لا يسلب قوما نعمة أنعم بها عليهم حتى يغيروا الذي بأنفسهم من الخير والأعمال الصالحة ، أو يغيروا الفطرة التي فطرهم اللّه عليها ، قيل وليس المراد أنه لا ينزل بأحد من عباده عقوبة حتى يتقدم له ذنب ، بل قد تنزل المصائب بذنوب الغير ، كما في الحديث أنه سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم سائل فقال : أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : « نعم إذا كثر الخبث » « 1 » . وَإِذا أَرادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً أي هلاكا وعذابا فَلا مَرَدَّ أي فلا راد لَهُ وقيل المعنى إذا أراد بقوم سوءا أعمى قلوبهم حتى يختاروا ما فيه البلاء وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ يلي أمرهم ويلتجئون إليه فيدفع عنهم ما ينزل بهم من اللّه سبحانه من العقوبات ، أو من ناصر ينصرهم ويمنعهم من عذاب اللّه . والمعنى أنه لا راد لعذاب اللّه ولا ناقض لحكمه . ولما خوف سبحانه عباده بإنزال ما لا مرد له أتبعه بأمور ترجى من بعض الوجوه وتخاف من بعضها ، وهي البرق والسحاب والرعد والصاعقة ، وقد مر في أول البقرة تفسير هذه الألفاظ وأسبابها فقال : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ [ الرعد : 12 ] هو لمعان يظهر من خلال السحاب . وعن علي بن أبي طالب قال : البرق مخاريق من نار بأيدي ملائكة السحاب يزجرون به السحاب . وروي عن جماعة من السلف ما يوافق هذا ويخالفه . خَوْفاً وَطَمَعاً أي لتخافوا خوفا ولتطمعوا طمعا ، وقيل النصب على العلة بتقدير إرادة الخوف والطمع أو على الحالية من البرق أو من المخاطبين بتقدير ذوي خوف ، وقيل غير ذلك مما لا حاجة إليه ، قيل والمراد بالخوف هو الحاصل من الصواعق وبالطمع هو الحاصل بالمطر . وقال الزجاج : الخوف للمسافر لما يتأذى به من المطر ، والطمع للحاضر لأنه إذا رأى البرق طمع في المطر الذي هو سبب الخصب ، قال قتادة : خوفا للمسافر يخاف أذاه ومشقته ، وطمعا للمقيم يطمع في رزق اللّه ويرجو بركة المطر ومنفعته وعن الحسن خوفا لأهل البحر وطمعا لأهل البر . وعن الضحاك قال : الخوف ما يخاف من الصواعق والطمع الغيث . وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ التعريف للجنس والواحدة سحابة والثقال جمع ثقيلة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الفتن باب 4 ، 28 ، ومسلم في الفتن حديث 1 ، 2 ، والترمذي في الفتن باب 21 ، 23 ، وابن ماجة في الفتن باب 9 ، ومالك في الكلام حديث 22 ، وأحمد في المسند 6 / 428 ، 429 .